المجمع العالمي لأهل البيت ( ع ) - لجنة التأليف

70

أعلام الهداية

وقفة عند سلوك المأمون ونزعاته : كانت حياة المأمون - قبل توليه الخلافة - حياة جد ونشاط وتقشف ، على العكس من أخيه الأمين ، الذي كان يميل إلى اللعب والبطالة أكثر منه إلى الجد والحزم . ولعل سرّ ذلك يعود إلى أن المأمون لم يكن كأخيه ، يشعر بأصالة محتده ، ولا كان مطمئنا إلى مستقبله ، وإلى رضا العبّاسيين به ، بل كان يقطع بعدم رضاهم به خليفة وحاكما ، ولهذا فقد وجد أنه ليس لديه أي رصيد يعتمد عليه غير نفسه ، فشمر عن ساعد الجد وبدأ يخطط لمستقبله منذ أن أدرك واقعه ، والمميزات التي كان يتمتع بها أخوه الأمين عليه . ويلاحظ انه كان يستفيد من أخطاء أخيه الأمين وان الفضل عندما رأى اشتغال الأمين باللهو واللعب ، أشار على المأمون بإظهار الورع والدين ، وحسن السيرة ، فأظهر المأمون ذلك . . . وكان كلما اعتمد الأمين حركة ناقصة اعتمد المأمون حركة شديدة . ومن هنا يتبيّن السرّ فيما يبدو من رسالته للعبّاسيين ، حيث نصب فيها نفسه واعظا تقيّا ، وأضفى عليها هالة من الورع والزهد في الدنيا والالتزام بأحكام الشريعة ، ليروه ويراه الناس نوعية أخرى تفضل على نوعية أخيه الأمين . وقد برع المأمون في العلوم والفنون حتى فاق أقرانه ، بل فاق جميع خلفاء بني العباس ، فإنه لم يكن في بني العباس أعلم من المأمون « 1 » . وهو أعلم الخلفاء بالفقه والكلام « 2 » . وكل من تعرّض من المؤرخين وغيرهم ، لشرح حال المأمون ، قد شهد له

--> ( 1 ) حياة الحيوان : 1 / 72 . ( 2 ) الفهرست : 174 ، ابن النديم .